حكم الاتجار بالمخدرات

لقد اشتغل بعض المسلمين بتجارة المخدرات من الخمور، والحشيش والأفيون، والكوكايين، لما تدر عليهم تجارة هذه الأشياء من الربح الطائل، من أسهل الطرق ويصلون إلى الغنى الفاحش في أقرب وقت. مع أن الشريعة الإسلامية تحرم هذه الأرباح، وتعتبر أن عيشة أصحابها من الحرام.

وقد ورد عن رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أحاديث كثيرة في تحريم بيع الخمور. منها ماروى البخاري ومسلم وعن جابر رضي اللَّه عنه أن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: (إن اللَّه حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام).

ووردت عنه أحاديث كثيرة تفيد أن ما حرم اللَّه الإنتفاع به، يحرم بيعه وأكل ثمنه، فيتناول التحريم بيع هذه المخدرات، لما يترتب على ترويجها من المفاسد، والمضار بين أفراد الأمة. فهو كالمتسبب في هلاكها، ودمارها، بل إنه يقتل الأنفس، ويضيع الأموال، فهي وإن كانت تجارة في ظاهرها كما يظن بعض الناس، لكنها تجارة بأرواح الناس، وفساد الشباب، وضياع الأخلاق، وهلاك الأمة.

فلا شك في حرمة الإتجار بها، ولإنها تعين على معصية. واللَّه تعالى قد نهانا عن التعاون على الإثم والعدوان. فقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فالتجارة في هذه الأشياء لا شبهة في حرمتها لدلالة القآن الكريم على تحريمها، وبهذا قَالَ جمهور العلماء: أن هذه المخدرات لا قيمة لها في حق المسلم فلا يجوز بيعها، ولا يضمن غاصبها، ولا متلفها، لأن ذلك دليل على عزتها، وتحريمها دليل إهانتها. وقد روي عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أنه قَالَ: (إن الذي حرم شربها، حرم بيعها وأكل ثمنها).

حرمة زراعة الحشيش

اتفق الأئمة على تحريم زراعة الحشيش، والخشخاش، لإستخراج المادة المخدرة منها لتعاطيها أو الإتجار فيها، وحرمة زراعتهما من وجوه:

أولاً: ماروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: (إن من حس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار) فهذا دليل على حرمة زراعتهما بطريق دلالة النص.

ثانياً: إن زراعتها لهذا الغرض رضاً من الزارع تعاطي الناس لها، وإتجارهم فيها والرضا بالمعصية معصية، وذلك لأن إنكار امنكر بالقلب، الذي هو عبارة عن كراهية القلب وبغضه المنكر، فرض على كل مسلم في كل حال.

بل ورد في صحيح مسلم عن رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (أن من لم ينكر المنكر بقلبه – بالمعنى الذي بينا – ليس عنده من الإيمان حبة خردل) وفيه مخالفة لولي الأمر الذي نهى عنها بالقوانبن التي وضعت لذلك، وفيه مخالفة لولي الامر الذي نها عنها بالقوانين التي وضعت لذلك، لوجوب طاعة ولي الامر فيما ليس لمعصية لله ولرسوله بإجماع المسلمين.

حرمة الربح والناتج من هذه التجارة

لقد علم أن بيع هذه المخدرات حرام، فيكون الثمن الناتج من هذه التجارة حراماً، لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي لا يؤخذ ولا يتبادل ببعضكم مال بعض بالباطل، وذلك من وجهين:

الأول: أخذه على وجه الظلم، والسلب، والسرقة، والنهب، والخيانة، والتدليس وما جرى مجرى ذلك.

الثاني: أخذه من وجهة محظورة، كأخذه بالعب القمار، أو بطريق غير مشروع، كالعقود المحرمة كما في المعاملة بالربا، وبيع ما حرم اللَّه الإنتفاع بهن كالخمر المتناول للمخدرات المذكورة. فإن هذا كله حرام مثل السرقة سواء بسواء، وإن كان بطيبة نفس من مالكه.

ولما ورد من الأحاديث النبوية التي تنص على تحريم ثمن ما حرم اللَّه الإنتفاع به، كقوله صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (إن اللَّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) رواه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن ابن عباس.

وقد جاء في كتاب (زاد المعاد) ما نصه: (قال جمهور الفقهاء: إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً حرم أكل ثمنه. لخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلماً حرم أكل ثمنه. وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل اللَّه فثمنه من الطيبات. وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه لبسها حرم أكل ثمنها، بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها) ا.ه.

وإذا كانت الأعيان التي يحل الإنتفاع بها إذا بيعت لمن يستعملها في معصية اللَّه على رأي جمهور الفقهاء – وهو الحق – يحرم ثمنها لدلالة ما ذكرنا من الأدلة وغيرها عليه، كان ثمن العين التي لا يحل الإنتفاع بها كالمخدرات حراماً من باب أولى.

وإذا كان ثمن هذه المخدرات حراماً، كان خبيثاً، وكان إنفاقه في القربات، كاصدقات وبناء المساجد، وحج بيت اللَّه الحرام غير مقبول أي لا يثاب المنفق عليه، فقد روى مسلم عن أبي هُرَيْرَة رضي اللَّه عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (إن اللَّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن اللَّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ” يا أيها الرسل كل من الطيبات واعملوا صالحاً” الآية. وقال تعالى:” يا أيها الذين أمنو كلوا من طيبات ما رزقناكم وأشكروا الله أن كنتم أياه تعبدون”، ثم ذكر الرجل يطل السفر أشعث أغبر يمد يده الى السماء، يارب، يارب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب ذلك؟.

وقد جاء في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن أبي مسعود رضي اللَّه عنه أن رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: (والذي نفسي بيده لا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره، إلا كان زاده في النار، إن اللَّه لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث).

وروي عن أبي هُرَيْرَة عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: (من كسب مالاً حراماً فتصدق به لم يكن له أجر، وكان اصره – يعني اثمه وعقوبته – عليه).

وما في مراسيل القاسم بن مخيمرة قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (من أصاب مالاً من مأثم، فوصل به رحمه، أو تصدق به أو أنفقه في سبيل اللَّه، جمع ذلك جميعاً، ثم قذف به في نار جهنم).

وروي عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أنه قَالَ: (أنه إذا خرج الحاج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز – أي الركاب – وقال: لبيك، ناداه ملك من السماء: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك)

فهذه الأحاديث التي يشد بعضها بعضاً تدل على أنه لا يقبل اللَّه صدقة، ولا حجة، ولا قربة آخرى من القربات من مال حرام، من أجل ذلك نص علماء الحنفية على أن الإنفاق على الحج من المال الحرام حرام.

ونستطيع أن نلخص ما ذكرناه فيما يأتي:

أولاً: تحريم تعاطي الحشيش والأفيون والقات، وغيرها من المخدرات المسكرة والمفطرة

ثانياً: تحريم الإتجار فيها واتخاذها حرفة تدر الربح.

ثالثاً: حرمة تهريبها، ومساعدة التجار على رواجها، والتدليس عليها.

رابعاً: حرمة زراعتها لإتخاذ المادة المخدرة لتعاطيها، أو الإتجار بها.

خامساً: إن الربح الناتج من الإتجار في هذه المواد حرام خبيث، وإن إنفاقه في الطاعات غير مقبول.

 www.dawat610.com  موقع ألافغانية اسلامية

Print Friendly, PDF & Email